محمد متولي الشعراوي

1218

تفسير الشعراوي

لقد قال الحق : « وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ » إذن فعلينا أن نبحث له عن « جعل » يعوض عليه ما فاته ، فلا نلزمه أن يعطل عمله وإلا كانت عدالته وبالا عليه ، لأن كل إنسان يطلب للشهادة تتعطل أعماله ومصالحه . واللّه لا يحمى الدائن والمدين ليضر الكاتب أو الشهيد . وقوله الحق لكلمة : « يضار » فمن الممكن أن تأتى الكلمة على وجهين في اللغة ، فمرة تأتى « يضار » بمعنى أنّ الضرر يأتي من الكاتب أو الشهيد ، ومرة أخرى تأتى كلمة « يضار » بمعنى أنّ الضرر يقع على الكاتب أو الشهيد . فاللفظ واحد ، ولكن حالة اللفظ بين الإدغام الذي هو عليه حسب قواعد اللغة وبين فكه هي التي تبيّن لنا اتجاه المعنى . فإن قلنا : « ولا يضارّ كاتب ولا شهيد » - بكسر الراء - ، فالمعنى في هذه الحالة هو أن يقع الضرر من الكاتب فيكتب غير الحق ، أو أن يقع الضرر من الشهيد فيشهد بغير العدل . وإن قلنا : « ولا يضارّ كاتب ولا شهيد » - بفتح الراء - فالمنهى عنه هو أن يقع الضرر على الكاتب أو الشهيد من الذين تؤدى الكتابة غرضا لهم ، وتؤدى الشهادة واجبا بالنسبة لهم ؛ ليضمن الدائن دينه ، وليستوثق أن أداءه محتم . والكاتب والشهيد شخصان لهما في الحياة حركة ، ولكل منهما عمل يقوم به ليؤدى مطلوبات الحياة ، فإذا علم - بضم العين وكسر اللام وفتح الميم - أنه كاتب أو شهد بأنه عادل ، عند ذلك يتم استدعاؤه في كل وقت من أصحاب المصلحة في المداينة ، وربّما تعطلت مصالح الكاتب أو الشهيد . ويريد اللّه أن يضمن لذلك الكاتب أو الشهيد ما يبقى على مصلحته . ولذلك أخذت القوانين الوضعية من القرآن الكريم هذا المبدأ ، فهي إن استدعت شاهدا من مكان ليشهد في قضية فإنّها تقوم له بالنفقة ذهابا وبالنفقة إيابا ، وإن اقتضى الأمر أن يبيت فله حق المبيت وذلك حتى لا يضار ، وهو يؤدى الشهادة ، وحتى لا يتعطل الشاهد عن عمله أو أن يصرف من جيبه . ( راجع أصله وخرج أحاديثه الدكتور أحمد عمر هاشم نائب رئيس جامعة الأزهر . )